الراغب الأصفهاني

360

الذريعة إلى مكارم الشريعة

المكر والخديعة والكيد والحيلة « 1 » المكر والخديعة متقاربان ، وهما اسمان لكل فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره ، وذلك ضربان : أحدهما مذموم : وهو الأشهر عند الناس والأكثر ، وذلك أن يقصد فاعله إنزال مكروه بالمخدوع وهو الذي قصده النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « المكر والخديعة في النار » « 2 » والمعنى أنهما يؤديان بقاصدهما إلى النار ، والثاني : على عكس ذلك وهو أن يقصد فاعلهما إلى استجرار المخدوع والممكور به إلى مصلحة لهما كما يفعل بالصبي إذا امتنع من تعلم خير ، وقد قال بعض الحكماء : المكر والخديعة محتاج إليهما في هذا العالم ، وذلك أن السفيه يميل إلى الباطل ولا يميل إلى الحق ولا يقبله ، لمنافاته لطبعه ، فيحتاج أن يخدع عن باطله بزخارف مموهه كما يخدع الطفل عن الثدي عند الفطام ، ولهذا قيل : في مثل مخرق فإنها الدنيا مخاريق وسفسط فإن الدنيا سوفسطائية « 3 » ، وليس هذا حث على تعاطي الخبث بل هو حث على جذب الناس إلى الخير بالاحتيال ولكون المكر والخديعة ضربين سيئا وحسنا قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ

--> ( 1 ) في ط ، د العنوان « في ذكر . . . » . ( 2 ) رواه الديلمي عن أبي هريرة ، وأخرجه القاضي عن ابن مسعود بزيادة « من غشنا فليس منا » ورواه البيهقي عن قيس بن سعد قال : « لولا أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول المكر والخديعة في النار » لكنت أمكر أهل الأرض . كشف الخفاء / 2 / 297 . حديث / 2712 . ( 3 ) المخرقة اللعب والمزاح . وقال ابن جني في سر الصناعة ، قالوا : مرحبك اللّه . وقالوا : مخرق الرجل وضعفها ابن كيسان وفي المعجم الوسيط مادته فتدل علي تصنع الحمق . المعجم الوسيط / 1 / 229 وسفسط غلط وأتى بالحكمة المموهة : المعجم / 1 / 435 .